ابن الفارض

44

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

والحال حالي وظاهر أمري شاهد بما في باطني من الصبابة ، وأن وجدي بها إياها عند التجلّي ماحي وجودي وفقدي إياها عند الاستتار مثبتي ) . ( هبّي لي نظرة المتلفت ) : أي نظرة كنظرة المتلفّت إلى شيء ( قبل يفني الحب مني بقية أراك بها ) ، وقوله : ( ووجدي بها ) لأن الواجد لا يجد الموجود بنفسه وإلّا لزم التناقض ؛ إذ الإثبات نتيجة الفقد ، والفاقد لا يجد فيلزم أن يكون [ 46 / ق ] الواجد غير واجد ، وتقييد هذا السؤال بالجمل المعترضة بين القول والمقول على الحاليّة مشعر بأنّه ملجأ مضطرّ إلى ذلك ؛ لأن الصبابة حملته على طلب الرّؤية ، وإن كانت متعدّدة في حال الوجد لإيجابه محو الأوصاف واستدعاء الرؤية وجودا ، أو صفة قائلة ، وكذا في حال الفقد لإيرائه الحجاب المانع ، فاضطرّ إلى سؤال محال ، وهو النظر إلى المحبوبة بوجود بقيّة منه عند التجلّي ريثما ينظر بها إلى المتجلّي له نظرة سريعة كنظرة المتلفّت إلى شيء ، ولو سأل وجودا موهوبا له من اللّه تعالى - في مقام البقاء بعد الفناء ، ليطيق نور التجلّي ، وقال بدل ما سأل : ( هبّي قبل يفني الحب عيني بصيرة ) ، لكان أجدر وبالإمكان أليق ، وكأنه سأل ما سأل ليومىء إلى وجه حرمان موسى - عليه السلام - عن مسؤوله ، وما بعثه على السؤال من تعجيل الشوق ؛ كما قال : أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : الآية 143 ] ، منع عنها بقوله : لَنْ تَرانِي [ الأعراف : الآية 143 ] ، وليعرب عن مبلغ سيره الموسوي على الطرائق الأحمدي ، ولمّا علم أن إجابة هذا السؤال محال ، عدل عنه إلى أسلوب آخر من السؤال ، فقال : ومنّي على سمعي بلن ، إن منعت أن * أراك ، فمن قبلي ، لغيري ، لذّت ( منّي ) أمر من منّ عليه يمنّ عليه ، أحسن إليه قوله : ( بلن ) أي بكلمة ( لن تراني ) ، وهي في إفادة النفي أبلغ من غيرها ولا توجب التأبيد ، ( وإن ) حرف شرط جزاؤه محذوف ، و ( أن ) مع الفعل في تقديره : ( إن منعت الرؤية فمني على سمعي بقولك : لَنْ تَرانِي [ الأعراف : الآية 143 ] ) ، والفاء في ( فمن ) للسببية . ( لذّ ) الشيء يلذّ لذاذا ولذاذة فهو لذيذ ، ولذ : طاب ، يعني : ( إن منعت بصري عن مشاهدة ذاتك ، والالتذاذ برؤيتها فاثبتي منّة على سمعي بإسماع كلامك ) [ 47 / ق ] ، لالتذاذه بسماع قولك ( لن تراني ) ، لأن هذه الكلمة طابت لغيري من قبل ، وهو موسى - عليه السلام - فإنه التذّ بسماع الكلمة لما التذّ بسماع قوله تعالى إذ منّ عليه حيث اصطفاه على الناس بإيتاء الرسالة والكلام ، وقال : إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [ الأعراف : الآية 144 ] ، وإمكان